الشيخ محمد السند
148
تفسير ملاحم المحكمات
موالمعدود . . . وهلمّ جراً ، كلّ علم له موضوع يبحث عن اتّصافه بحكم أو بصفة ما يسمّى المحمول ، وهذا الحكم أو الصفة هي الغاية من ذلك العلم ، ولا ريب أنّ هذه الغاية محدودة لا تتناول ما وراءها ، ودوائر مساحات أبعد . ومن ثمّ صحّ ما يقال من أنّ غاية العلم لا تُحدّد ما وراءها ، فقد تُوظّف هذه الغاية إلى غايات مختلفة وراءها ، فعلم الفيزياء وعلم الذرّة الذي يُعبّر عنه بعلم الفيزياء النوويّة ، قد يُوظّف للمقاصد السلميّة النافعة ، وقد يُوظّف للأهداف الحربيّة المهلكة للنسل البشريّ . فالعلم النوويّ من حيث هو ، لا يُحدّد المسار والاتّجاه فيما وراء غايته ، وكذلك علم الأحياء وما يُعرف بعلم الباحث عن المسائل الجرثوميّة والبكتيريّة أو مسائل المحاليل والعناصر الكيميائيّة الخطرة ، فإنّ هذه العلوم قد تُوظّف وتُجيّر للخدمة البشريّة والتنمية والعمران والبيئة الكونيّة ، وقد تُوظّف لهلاك البشريّة والبيئة ، فإنّ هذه العلوم بنفسها لا تحدّد مسار الخير والشرّ ، بل لا بدّ من علم آخر وراءها يتحدّد به المسار ، وليس هذا القصور خاصّ بالعلوم الطبيعيّة كذلك خاصّ بالعلوم الروحيّة والإنسانيّة والنفس ، فإنّ غاية هذه العلوم تحديد أحوال النفس وحالات القوّة فيها وحالات الضعف والتدبير والترويض لقوى النفس أو في بيئة الأسرة أو في البيئة الاجتماعيّة ، كما في العلوم الاجتماعيّة ، كالعلوم السياسيّة والإداريّة والاستراتيجيّة ، وغيرها من العلوم النظميّة ، فإنّها مهما بلغت فلها غاية محدودة وهي النشأة الأرضيّة ، وأمّا ما وراءها من الحياة في العوالم الأخرى ، فليست في متناولها ، ومن ثمّ تقصر هذه العلوم في تحديد المسار في العوالم اللّاحقة ، فلا بدّ من علم ومعرفة فوقها يوظّفها في مسار الخير والسعادة والكمال ، سواء في النشأة الدنيويّة أو النشآت اللّاحقة ، فالعلوم في نفسها